سيكولوجية البعوض
بالأمس فقط كان أقصى ما يمكن أن تفعله بعوضة كمحاولة للهروب و الاختفاء من
ملاحقة الانسان، الفرار عاليا باتجاه السقف أو الالتصاق بجدار أبيض ظانّة نفسها
غير مرئية،
و حتّى إن عاودت ازعاجها - خاصة بالليل – غير مقاومة رغبتها الشديدة في لسع
ضحية مغرية لذيذة الطعم تتوفر فيها جميع المواصفات، ما أن تستشعر شراسة ذلك
الانسان
و عزمه القضاء عليها حتّى ستستلم و
تعلن الهدنة لبعض الوقت أو تختفي مع نيّة المحاولة في وقت آخر، فتَمتَنِع استحياء منها
أكثر منه خوفا.
و كان الناس سرعان ما يسترجعون
الراحة و السلام مع انتهاء موسم الصيف حيث يختفي أو على الأقل يَقِل البعوض و
تختفي معه آثار بثوره و زياراته غير المرحب بها.
أما اليوم فقد أصبح البعوض أكثر ذكاء و مقاومة، تطورت جيناته بطريقة جد
ملفتة... تعلّم أساليب مراوغة جديدة و طوّر من مهارات الاختفاء لديه الى حدّ
التواري، غريب.. كأنه أخذ دورات في التنمية الذاتية، في قراءة نفسية الانسان و
كيفية التعامل مع انفعالاته، يُحَدِّث معلوماته و برامجه بطريقة يومية.
صار عدوانيا لا يستسلم البتّة، يحوم و يشاكس و يتوعد بلا هوادة خاصة اذا ما
علمنا أن اناث البعوض فقط من تقترب من الانسان و تتغذى من دمه، أما ذكور البعوض
فتتغدى فقط على رحيق الأزهار و الورود و من هنا يمكن أن نفهم أسباب هذه المشاكشة و
الازعاج
و الطنين المتواصل و لسعتها الخاطفة و الاكثر ايلاما على الاطلاق ( بالنسبة
لي على الأقل) فخرطومها يحمل ستة سكاكين و من حسن حظنا أنها لا تستعمل أسنانها 48.
تبث البعوضة مخدرها الموضعي في جسمك حتى يتسنى لها غرز ابرتها و امتصاص ما
تيسّر لها باستمتاع و استلذاذ.. و ما أن تنتهي و تقوم من على مائدتك حتى يزول اثر
المخدر فتنهض أنت كَمَن بِه مسّ يلعن و يهذي و أول شيء تقوم به هو التطلع نحو
الأعلى في اتجاه السقف بحثا عن صاحبة
الفعلة لكن هيهات فذلك كان بالأمس، تدور حول نفسك مقلبا نظرك يمينا و شمالا دون
جدوى، تلْقف ما تجده أمامك لتهُشّ به مختلف الأركان فلا تجد شيئا و يتخيّل لك لوهلة
أنها فقط حساسية ما لولا ذلك الانتفاخ الذي تتحسسه و الهرش المفرط، و بينما تفتش
عنها مصرّا على عدم التراجع قبل أن ترديها أرضا انتقاما لهيبتك و وضعك الاعتباري
مقارنة بها ككائن صغير كاد أن يكون غير مرئي، تفترش هي شعرك مستمتعة بالهزّات و
القفزات التي تفتعلها كأنها على أرجوحة في مهب نسيم مسائي، على أقل من مهلك،
ستنظرك حتى تيأس و تفرغ من جلبتك تلك و تضع قبلتها أقصد لسعتها بأعلى جبينك أو بين
عينيك كحركة خبيثة منها تنهي بها زيارتها لك..
و تنقضي معاناتك أخيرا حمدا على
سلامتك.
و أكثر ما قد يسبب الحسرة، أن تكون وسط مجموعة مـن الناس و تلسعك بعوضة دون
غيرك.. تختارك حصرا دون الآخرين، و الأعظم
هو أن تجدك وقتها و من سوء الصدف في أسوء
حالاتك النفسية، حينها ستتأكد دون أدنى إمعان أن العالم كلّه يقف ضدّك و متحامل
عليك لا شك.. فما معنى أن تختارك أنت بالذات دون غيرك؟
لن تقتنع مهما قدّموا لك من شروحات
علمية و برّروا سبب الانتقاء في نوعية المثيرات
و المحفّزات الخاصة كالرائحة و
درجة حرارة الجسم و الافرازات الحمضية التي تختلف من شخص لآخر و أنها تمتلك ثلاثة
قلوب احتارت في كيفية تصريفها و ربّما أرادت اهداءك واحدا و...و... فلن يرضيك هذا
الكلام حينها لإحساسك بالغبن و التقليل من شخصك.
و حتّى وقع الحياة الذي كان بالأمس يعود الى طبيعته فور انقضاء فصل الصيف،
أصبح اليوم ذكرى جميلة و حلما يتمناه
العديدون خاصة أصحاب العينة الخاصة، لأن البعوض
استأنس بنا حتّى غَدَا يَشحذ إبره في وجهنا طيلة السنة تقريبا.

تعليقات
إرسال تعليق